لا تتوقف، فيتوقف حظك

يكاد يكون السؤال الأكثر سؤالًا من القراء من جميع البلدان هو: هل لو توقفت عن الدعاء لنصيب معين أو أمر أود أن أناله، هل سأرتاح؟ وهل يكون قد تعلقت بالأمر والله في الحقيقة لم يكتبه لي؟

في المقال سأود أن أشير عليك في أمور مهمة، لم أتطرق إليها في السابق من جميع المقالات، سأنبهك على نقاط اجعلها بين عينيك أثناء طريقك مع الله، تأمل معي هذا، وأسأل الله أن يكون الجواب الشافي والكافي لكل من تخطر عليه تلك الأسئلة:

أولًا:

عندما تتوقف عن الدعاء لسبب نفسي، قد تشعر أنك تعلقت به، أو بدا الحزن يتناثر بين ملامحك بسبب عجزك عن بلوغه. فاعلم أنك قد توقف عجلة حظك وحظوظك، فإن الدعاء قد يكون لأمر معين ومحدد بحياتك، لكن استمرارك بالدعاء سيفتح لك باب الحظوظ من كل باب، وسترى عجائب عطايا الله وكرمه عندما تنزل عليك الإجابات (في الوقت الذي يشاء)، وانتبه لهذا جيدًا، فنحن عبيد لله، خلقنا لعبادته وأمرنا بطاعته، وعندما أمرنا الله جل وعلا بدعائه ووعدنا بالإجابة، فهذا ليس أمرًا قابلًا للشك أو الاستحالة، لكن الذي قد يغيب عنك أن دعاءك سيفتح عليك أمورًا بالمستقبل لن تستطيع بلوغها لا بتخطيطك ولا سعيك ولا حتى مالك، إنما أمورًا تقبل عليك مباركة، محفوظة، ومصونة، وعليها رعاية إلهية من الله جل وعلا، وقد تتعجب وتندهش أنك في السابق دعوت أمورًا ليس لها علاقة بها، ولا حتى تشابهها، لكن الله منّ عليك بها، بفضل دعائك ورجائك وحسن ظنك برب العالمين.

وتفهم من هذا المعنى كله، عندما تدعو، لا تدعُ بالتفاصيل، ولا تحدد الأسماء، ولا تزد على الله في أمور لا تعلم عنها، استمر في دعائك وادعُ الله أن يكتب لك الخير فيما يراه الله، ليس فيما تراه أنت.

وألح على الله في إلحاح الأدب والخضوع التام، وحينها ستشعر بمشاعر مختلفة عن السابق، لن يصبح يهمك لو طالت الإجابة، ولن تغتم لو طالت الأيام لعلمك أنك [ كمن يحرث في حقل الحظوظ ]. وتأملها هذه جيدًا، فإنك كاسب وربحان في أمورك كلها، وقد تأتيك المفاتيح لأبواب عديدة، وليست بالآخرة فقط، بل ستراها في دنياك.

ثانيًا:

عندما تتوقف عن الدعاء لشعورك أنه من المحال والاستحالة بلوغ هذا الأمر في وضعك الراهن. لكن هل تعلم لماذا وصلت لهذه الحالة؟ [ لأنك خططت على الأقدار ولم تخطط على السعي ]. وهذا أمر لا يمكن تجاوزه ولا طيّه، فعندما تشعر أن الأمور محال أن تتحقق، لأنك في الحقيقة ما وراء ذلك أنك: تتخيل القدر، وتتخيل حالك في القدر، وهذا أمر خارج عن قدرة الإنسان. هذه أمور من شأن الله جل وعلا وتدبيره، وليس عليك فتح باب الستار على الأقدار، بتاتًا، لا تتخيل. اسعَ، واعلم أن تدبير الله عندما يقع فإن تقشعر منه الأبدان، لأن الناس عندما يتخيلون فإنهم يتخيلون على الماضي لا الحاضر.

المعنى:عندما تريد أمرًا، وتتفكر أن بينك وبينه ألف باب، وتتذكر الأشخاص، والأمور المادية والعائلية التي قد تحجب عنك بلوغه وحصوله، إذن أنت الآن تفكرت في الأمور التي عرفتها بناءً على الماضي وبناءً على معايشته، لكن الذي يخفى عليك أن المستقبل له تدبير مختلف، فقد تكون هناك أمور تحدث بالمستقبل لم تحدث بالسابق، وقد تكون منها فتح أبواب الأقدار على كثير من الناس.

واعلم أنك تريد فهم المعنى أكثر: قد يكون إنسان يريد نيل وظيفة في مكان، لكن كل الأمور الماضية والحاضرة تقول له: من المحال بلوغ هذه الوظيفة وهذا المنصب، لكن قد تكون هناك أمور داخلية بالشركة من إعادة هيكلة أو فروع جديدة في مدن ثانية، أو أمور لا يعلم بها هو، لكن الله يعلم، فيهَيِّئ كثيرًا من الأقدار لسبيل عباده، فيتيسّر حصوله على هذه الوظيفة في تلك السنة، ولو اجتهد بالسنة التي قبلها لم يحصل عليها، لأن الله يعلم وهو لا يعلم.

إذن تذكر كم أمرًا توده، وكم أمرًا تشعر باستحالته، وحتى شفاءك من مرض، أو كل الأمور التي تشعر أنها من المحال، لكنك لا تعلم كيف تدبير الأمور في المستقبل، فلماذا تجتهد على معطيات الماضي؟ فالإنسان مهما بلغ من ذكائه وحنكته فلن يعلم الغيب مهما حرص واجتهد، فالأمور الغيبية يعلمها الله، وهي بالأصل بيد الله جل وعلا، سبحانه وتقدست أسماؤه.

وتذكر أن هناك اثنين: الأول ينجح بالسعي، والثاني يفشل بالتخطيط، لأن التخطيط أساسه توقعات المستقبل، فإذا كنت ممن بالغ في التوقعات ويحسبها بالورقة والقلم، فإنك لا تعلم كيف يقدرها الله في ليلة وضحاها ويبدل الحال إلى حال.

وإذا كنت تسعى، وليس أمامك علامات، وتستمر في دعائك مع شعورك أنك مهما بلغت من الفطنة فإن الأمر بيد الله، وتمضي وقلبك متوكل على الله، ولم تتوقف عن الدعاء ولا الرجاء، فإن هذه بشارة لك أنك وصلت إلى دار الحظوظ، والقدر الرفيع في الدنيا والآخرة، [ والعطايا التي ستبصرها في عينيك وستراها في عقلك، تذكرها جيدًا ]، وسيريك الله عظيم سلطانه على عباده وعظيم كرمه.

ثالثًا:

لا تعتقد أنك عندما تدعو، وتشعر أن على عينيك عصابة، لا ترى منها مستقبلًا، ولا ترى منها طريقًا، أنك الوحيد في هذا الطريق، كلا، فالدعاء هو اختبار عظيم على إيمان يوقر في قلبك أن الله قادر، ويستجيب، ورحيم بعباده، ويجلب الخير ويدفع الشر. كلها إذا آمنت بها فإنك على الجادة الصحيحة، وليس هناك ما يقلق ولا تزيد بالتفكير.

واعلم أن جميع من هم في سنك وأكبر منك، يمضون مثل إحساسك، ويشعرون بالضياع في بعض الليالي، [ وهذا ليس دليلًا على أنك تعلقت بالدعاء ونسيت من يستجيب ]، كلا، مشاعرك عندما تزورك بين الحين والآخر طبيعية ولا تلام بها، ومن لطف الله على عباده ورحمته أنها عندما تعتريك هذه المشاعر ساعات، ثم تجد نفسك نهاية اليوم ترفع يديك إلى الله، فإنك قد زاد لك الأجر بالرجوع والخضوع، وحتى لو كنت مستمرًا ولم تيأس فترات، فإن لك زيادة الأجور والثواب على حسن ظنك بالله.

فكل المؤمنين في حالة زيادة لا نقصان مع الله جل وعلا، ويكفيك همًا وتفكيرًا أنك حينما تطلب من الله شيئًا واحدًا، فالله يثيبك عليه بعشرات وعشرات من العطايا والأجور والحظوظ، وكلها من دعاء واحد، كيف لو كنت تطلب كل شيء من الله، ولا تمضي يومك إلا بذكر الله، وقد يكون حزنك مرات أنك شعرت بأنك قصرت بحق الله، فكيف سيكون مآلك وحالك مع الله؟ والله لقد بلغت أعلى الحظوظ.

رابعًا:

والأهم من كل هذه النقاط كلها، وأريدك أن تتفهم هذا المعنى جيدًا، لطالما علمت أن الدعاء حتى إجابته هو اختبار من الله على صبرك، وثباتك، ورجوعك، وحسن ظنك بالله، والعديد من الأمور التي تعلمها ولا تعلمها، لكن تخيل لو طالب أثناء دخوله الاختبار أمسك بورقة الامتحان، وعندما رآها قال: لن أحلها، وسأخرج، مع العلم قد يكون يعلم كيف هي الحلول، لكنه يود أن يعلم النتيجة قبل أن يكتب، فهل تشعر أن هذا من الطبيعي؟

لذلك عندما تنتظر النتيجة وتود معرفة النهاية، وأنت مسلم وموحد الله، وتعلم أن هذه أمور جميع المؤمنين مختبرون بها، فكيف بك تترك ورقة الامتحان وتخرج؟

لا تتوقف عن الدعاء، فيتوقف عنك عجلة الحظوظ. لا تنتظر النتيجة، لأن الله قادر أن يضعك في مستقبل في نتيجة لم يبلغها خيالك ولا حتى رسمتها في دفاتر عقلك. أمر فوق توقعاتك وفوق ما تطلب، وخير كبير لا يمكن حسابه ولا عده، فكيف تتوقف عن دعاء وهو الذي يفتح عليك كل الحظوظ؟

تذكر أن كل عمل تختبر به مع الله، سيفتح عليك أبوابًا وطرقًا لا تفتح لكل الناس، وهذا أمر حتى لو كشف الثواب في الآخرة فلن يندهش أحد ولن يتعجب به إنسان، لأننا بالدنيا علمنا ثوابًا ولم يخفَ علينا، تفكر أنه دعاء واحد فقط، قد قلب لك ميزان أمور حياتك كلها وقلب خريطة حياتك رأسًا على عقب، وأقرب لك المثال أكثر:

تخيل لو شخص يدعو الله على أمر واحد، وقد كلفه سنتين من الدعاء والرجاء واستحالة الأسباب، لكن مع رغبته الدفينة وطمعه فيه فهو يلح على الله، فتجد كلما طالت الإجابة عدة شهور، تجده واظب على صلوات الفرائض، حفظ أدعية نبوية لم يكن بالسابق يحفظ ثلثها، جعل ورده القرآن، والكثير من العبادات، فهو كلما رأى عبادة ربط حبلها على يديه خوفًا أن تفلت منه، وبالسابق لم يكن حريصًا على عبادات، لكن عندما طالت الإجابة، انكشف له أمره أنه كان في غفلة، وتمنى لو كان قبل السنوات أنه يفعلها لو كان يعلم بقدرها، فتجده يحرص هنا ويحرث من هناك، ويبلغ رمضان بعد رمضان، وهو لو التفت قليلًا لو وجد أن عباداته كأنها مدن من الأجور والثواب خلفه، ولو أحد سأله لقال: والله إنها ركعات بسيطة، قرأت القرآن صفحات، ذكرت الله وأنا في سيارتي، توضأت ورفعت يدي إلى الله، وهو يعلم داخل قلبه أنها عبادات كانت بسيطة وصغيرة على مدار أسبوعه، وتعجب واندهش من قدرها وكبرها وعظمها، ونحن دائمًا في هذا الحال ننسى أن الله يعظم الأجور، ويعظم الأعمال، وكل عمل تعمله واحد يجلب لك أعمالًا بالخير، فقد تكون قرأت القرآن صفحات يسيرة، لكن هذا العمل هو الذي جعلك تقوم الليل ركعات يسيرة، وهو اللي جعلك تذكر الله في مشيك عند ذهابك إلى عملك. 

تذكر: العبادة تجر العبادات، سبحان الله، لو تفكرت بهذا المعنى جيدًا ستعلم أنها العبادات متشابهات ومتقاربات، فكلما سحبت واحدة، جلبت لك أعوانها وجنودها، فسبحان الله على تقدير العزيز العليم.

أبعد كل هذا تتوقف عن الدعاء، لا والله، لا تتوقف، ولا تيأس ولا تحزن، فبذور الحظوظ وضعت على الحقول، واستجابة الدعاء تحت تقدير الكريم الخبير، فقد يكون أمر الله بالسحاب ثم بالأمطار والخيرات، فتنمو وتثمر لك من كل السهول، ولا تتعجب ولا تندهش مما تراه في دنياك من تقلبات، فإن الآخرة أعظم قدرًا وأكبر حظًا وأجمل رزقًا.

اظهر المزيد

نوره السبيعي

كاتبة ومؤلفة سعودية. صدر لها كتاب "أقدار الله تثبيت لا تشتيت" 2026 م كرحلة إيمانية تكشف حكمة الله في أقداره، وتغرس في القلب اليقين بأن كل ما يقدره الله لعبده يحمل خيرًا ورحمة. صدرت لها رواية "دار العقلاء" 2025 م كرحلة معرفية تأخذ القارئ إلى عوالم الوعي والذات والتوازن الديني والنفسي. صدر لها كتاب “الطريق إلى رمضان” 2026 م ضمن مبادرات دار آدم الخيرية تمتد مسيرتها عبر كتابة المقالات اليومية العميقة التي تتقصى خفايا النفس البشرية وتساؤلات الوجود والأقدار.

مقالات ذات صلة

1 تعليق
الأقدم
الأحدث

ماشاءالله تبارك الله الله يسعدك ويوفقك

زر الذهاب إلى الأعلى